السيد كمال الحيدري
218
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
فكراً تحليلياً معمّقاً مجدولًا إلى منهجية تبهر بتماسكها وأصالتها ونفاذها ، قبل أن يتوّج حياته بالشهادة في سبيل الله دفاعاً عن كرامة الإنسان وغيرةً على دين الله . قدّم الصدر العديد من المساهمات في الفكر الاجتماعي تضمّنت نقدات عميقة للواقع القائم وتصحيحاً للمعتقدات السائدة ممّا انجرّ إلى متاهات الفهم العرفي الخاطئ كما هو الحال في القضاء والقدر . لمعت في ذلك إشارات في كتاب « اقتصادنا » الذي صدر قبل أكثر من أربعة عقود ، ثمّ تكثّفت أكثر وراحت تكتسب طابعاً منظومياً ومنهجياً فيما قدّمه السيّد الصدر من بحوث نظرية في السنن التأريخية وعناصر المجتمع في القرآن الكريم أواخر حياته . في البدء أكّد الصدر الطابع العام الذي التزم به تيّار عريض من الفكر العقدي الإسلامي في تفسير القضاء والقدر بوصفهما تعبيراً عن النظام السببى الموجود بين الظواهر والأشياء ، مشيراً إلى أنّ هذه الروابط والعلاقات هي في الحقيقة تعبير « عن حكمة الله سبحانه وحسن تقديره وبنائه التكويني » « 1 » . فقدر الله جلّ جلاله هي الروابط والعلاقات الموجودة في الأشياء بدءاً وبنية وتكويناً بحيث تكون خاضعة للأسباب والقوانين والسنن ، وهذا هو معنى القدر . وإذا كان الصدر قد ركّز في دراسته على حركة السنن في التأريخ والمجتمع ، إلّا أنّه يسجّل بوضوح إلى أنّ هذا النسق ينتظم جميع الساحات الكونية والوجودية ويشمل الفواعل كافّة طبيعية واختياريّة . حين يملأ هذا التصوّر المشهد الكوني والوجودى برمّته تتلاشى جميع المدلولات الخاطئة في تفسير الأحداث والتعامل مع الواقع الخارجي على أساس القضاء والقدر بمعناه العرفي المغلوط أو العقلية الغيبية بالمعنى الشعبي
--> ( 1 ) المدرسة القرآنية ، محاضرات سماحة الإمام محمد باقر الصدر ، دار التعارف ، ص 79 .